لقد سعدتُ كما سعد الكثير من المهتمين بتعريب العلوم وبتدريس العلوم باستخدام اللغة العربية بإعلان مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض - أثناء فعاليات معرض الرياض الدولي للكتاب - إطلاق جائزة عالمية للترجمة باسم (جائزة خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة)، وتتكون الجائزة من خمس جوائز تقديرية للأعمال المتميزة؛ منها جائزتان في العلوم الإنسانية (من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية والعكس)، وجائزتان في العلوم الطبيعية (من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية والعكس)، وجائزة لجهود المؤسسات والهيئات العاملة في مجال الترجمة.
إن موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز على إنشاء هذه الجائزة تدلّ على اهتمامه - حفظه الله - بالعلم والعلماء والعمل على تذليل العقبات التي تعترض رقي وتقدم أمتنا العربية والإسلامية، ومن أهم هذه العقبات هو تدريس العلوم الجامعية باستخدام لغة أجنبية في معظم الجامعات العربية، على الرغم من كون الطالب عربياً والأستاذ عربياً والجامعة تخدم مجتمعاً عربياً، ولكن لغة التدريس والمخاطبة في قاعات التدريس هي لغة أجنبية. ومما لا شك فيه أن من أساسيات استقلال أي أمة من الأمم وتميزها ارتباطها بلغتها الأصلية وعدم استبدال لغة أخرى بها؛ لأن الارتباط بلغة أجنبية في التعليم سبب للتعلق بأصحاب تلك اللغة ووسيلة لانتقال عادتهم وتقاليدهم إلى المتعلم. ويعتمد تقدم الأمم الثقافي والعلمي بشكل كبير على مدى قدرة أبنائها على استيعاب التقنيات الحديثة والتقدم العلمي السريع في جميع المجالات العلمية. فالمجتمع الذي يستعير لغة أجنبية لتكون لغته العلمية لن يجد العدد الكافي من أبنائه ممن يتفاعلون مع العلوم أخذاً وعطاء، ويعتبر استخدام اللغة الأم في التعليم الجامعي من أفضل وأقصر الطرق لإيصال المعلومات إلى الطالب وأسهلها لفهمه وزيادة قدرته الاستيعابية.
إن معظم الجوائز العالمية تتبع في الغالب مراكز متخصصة في مجالات تلك الجوائز، فعلى سبيل المثال جائزة الملك فيصل - رحمه الله - وجائزة الأمير سلطان العالمية للمياه التابعة لمركز الأمير سلطان لبحوث المياه وغيرهما من الجوائز، ولذلك أقترح إنشاء مركز وطني للترجمة والتعريب تتبعه جائزة خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة؛ حيث إن هذا المركز سوف يسهم إسهاماً كبيراً في دفع عجلة الترجمة وتشجيعها وتفعيل دورها وبالتالي توفير مكتبة علمية عربية تضم العديد من الكتب والمراجع العربية في جميع مجالات المعرفة؛ فالناظر إلى واقع الترجمة في الوطن العربي يجد أن العفوية تغلب على حركة الترجمة في الوقت الحاضر، فاختيار الكتب المترجمة يتم حسب التفضيل الشخصي للمترجم، كما أن المكافأة الممنوحة للأعمال المترجمة في معظم الجامعات العربية لا تعوّض ما ينفقه المترجم من وقت وما يبذله من جهد، وقد كان الخليفة المأمون يمنح مترجم الكتاب وزنه (الكتاب) ذهباً مكافأة له على عمله، وبذلك ازدهرت العلوم في عهده.
لذلك أقترح أن يكون المركز تحت اسم (مركز خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز للترجمة والتعريب)، وأن تكون له فروع في جميع جامعات المملكة والمؤسسات البحثية الأخرى ذات العلاقة، وتكون أهم أهداف هذا المركز ما يلي:
1- وضع الخطط العامة والتفصيلية لعملية الترجمة.
2- إعداد الفترات الزمنية والوسائل اللازمة لتنفيذ الخطط العامة وفق الأولويات.
3- إعداد المصطلحات العلمية الدقيقة والمعبرة عن المفاهيم العلمية.
4- توفير الكتب والمراجع العلمية باللغة العربية.
5- توفير الإمكانيات والحوافز المادية والمعنوية للمهتمين بعملية الترجمة.
6- العمل على تأهيل المترجمين وإعدادهم وتهيئتهم من خلال برامج علمية مدروسة.
7- تنسيق الجهود مع المراكز والمؤسسات العربية ذات العلاقة وتنظيمها ومنع ازدواجية وتكرار العمل.
8- وضع الآلية اللازمة لتسهيل طباعة ونشر وتوزيع الكتب والمراجع المترجمة.
9- إقامة الندوات المتعلقة بعملية الترجمة بشكل منتظم من أجل تبادل الآراء وتنسيق الجهود بين المتخصصين.
ويمكن لمركز خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز للترجمة والتعريب الاستفادة من خبرات الجامعات والمؤسسات العاملة في مجال الترجمة والتعريب؛ مثل خبرة كلية الهندسة بجامعة الملك عبد العزيز التي أنشأت برنامجاً لتعريب العلوم الهندسية، ومشروع البنك الآلي السعودي للمصطلحات (باسم) التابع لمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وكذلك مراكز الترجمة بالجامعات السعودية والمؤسسات الأخرى.
وأسأل المولى عز وجل أن نرى تعريب العلوم واقعاً مشهوداً في المستقبل القريب، وأن يكون الدور الكبير في ذلك لمركز خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز للترجمة والتعريب.. والله من وراء القصد.
عضو مجلس إدارة مركز الترجمة بجامعة الملك سعود
muhaidib@ksu.edu.sa