Al Jazirah NewsPaper Wednesday  14/02/2007 G Issue 12557
مقـالات
الاربعاء 26 محرم 1428   العدد  12557
 
تدريس العلوم باللغة العربية ضرورة علمية ومطلب وطني وعربي
د. عبدالله بن إبراهيم المهيدب

 

تمثل اللغة أهم مقومات شخصية أي أمة من الأمم، حيث تميزها عن غيرها من الأمم، كما تعبر عن واقع الأمة من حيث التطور أو التخلف ومن حيث القوة أو الضعف. فعندما تكون الأمة قوية وعزيزة فإن لغتها تعتز بعزتها وتزداد انتشاراً، وعندما تضعف الأمة فإن لغتها تزداد ضعفاً وخمولاً ويدل على ذلك واقع اللغة العربية في الوقت الحاضر مقارنة بواقعها عندما كانت لغة العلوم والحضارة؛ حيث ظلت أكثر من خمسة قرون لغة العلوم والمعرفة في جميع الميادين؛ في الفلك والطب والزراعة والكيمياء والرياضيات والهندسة وغيرها. ومن المسلَّم به أنه لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض ويتحضر إلا من خلال لغته، ومن ثم لن ينهض العرب إلا بواسطة لغتهم العربية، والمتتبع لمسيرة التعليم الجامعي في الدول العربية يجد أن لغة التدريس في الكليات العلمية كالطب والهندسة في معظم الدول العربية (باستثناء سوريا) هي اللغة الإنجليزية بالرغم من أن أنظمة التعليم العالي في جميع الدول العربية تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الواجب استخدامها في التعليم الجامعي.

واختلفت الآراء حول تدريس العلوم باستخدام اللغة العربية في الوقت الحاضر، حيث يرى البعض أنه لا يمكن تطبيق ذلك لأن اللغة العربية غير قادرة على مواكبة النهضة العلمية في هذا العصر، ولأن ذلك قد يكون سبباً في عدم التواصل مع التقدم العلمي في جميع مجالاته. وفي المقابل يرى البعض الآخر أن تدريس العلوم باستخدام اللغة العربية ممكن لأن اللغة العربية لغة حية غنية بالمفردات والاشتقاقات مما يمكنها من استيعاب جميع الألفاظ المعربة من لغات أخرى، كما أن ترجمة الكتب والأبحاث العلمية سيؤدي إلى التواصل مع المستجدات العلمية. وخير مثال على ذلك الوضع في دولة اليابان حيث يتم ترجمة الأبحاث العلمية إلى اللغة اليابانية بعد فترة وجيزة من صدروها ونشرها وكذا في الصين وألمانيا واليونان وكوريا الجنوبية، وغيرها من الدول التي تدرس العلوم بلغاتها المحلية ولم تنعزل هذه الدول عن التقدم العلمي الذي يجري في العالم، خاصة وأن أسس وقواعد العلوم الأساسية والرياضيات ثابتة لا تتغير.

إن تدريس العلوم باللغة العربية يمكن تطبيقه بإنشاء مركز وطني متخصص في كل دولة من الدول العربية يقوم بوضع الخطط العامة والتفصيلية لعملية التعريب، وتحديد الفترات الزمنية والوسائل اللازمة لتنفيذ هذه الخطط وفق الأولويات، والعلم على تأهيل المتخصصين وإعدادهم وتهيئتهم من خلال برامج علمية مدروسة. كما يقوم المركز بوضع الآلية اللازمة لتسهيل طباعة ونشر وتوزيع الكتب والمراجع والمعاجم العلمية المعربة، وإقامة الندوات المتعلقة بعملية التعريب بشكل منتظم بهدف تبادل الآراء وتنسيق الجهود بين المتخصصين في هذا المجال. وقد أثبتت التجارب السابقة أن تعريب التعليم الجامعي هدف علمي كبير ليس بمقدور جهة أو جامعة معينة القيام بأعبائه وتحمل مسؤولياته وحدها. فالمتتبع لواقع تعريب التعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية يجد أن هناك جهوداً قد بذلت ولا تزال تبذل للنهوض بعملية التعريب، فقد أنشأت كلية الهندسة بجامعة الملك عبدالعزيز برنامجاً لتعريب العلوم الهندسية في عام 1400هـ ولكنه توقف في عام 1408هـ لأسباب عديدة، كما أنشأت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية مشروع البنك الآلي السعودي للمصطلحات (باسم) كما أن لمراكز الترجمة بالجامعات السعودية جهودأً حثيثة في ترجمة بعض الكتب والمراجع العلمية الهامة.

نعم إن تدريس العلوم باللغة العربية ممكن بتوفير الكتب والمراجع العربية للمقررات الدراسية عن طريق تشجيع الترجمة وتفعيل دورها ووضع الخطط اللازمة للنهوض بها حيث تغلب العفوية على حركة الترجمة في الوقت الحاضر فيتم اختيار الكتب المترجمة حسب التفضيل الشخصي للمترجم، كما أن الترجمة غير مكتملة فنياً من حيث التزامها بمعايير دقيقة من ناحية اللغة واستخدام المصطلحات العلمية. ويمكن توفير العديد من الكتب والمراجع باللغة العربية عند اشتراط أن يكون أحد الأعمال المقدمة من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات وغيرها لغرض الترقية ترجمة أو تأليف كتاب باللغة العربية من كتب المقررات الدراسية في تخصص المتقدم للترقية. كما يتم ذلك بتوفير الحوافز المادية والمعنوية للعاملين في مجال التعريب؛ حيث إن المكافأة الممنوحة للأعمال المترجمة في معظم الجامعات العربية لا تعوض ما ينفقه المترجم من وقت وما يبذله من جهد، وقد كان الخليفة المأمون يمنح مترجم الكتاب وزنه (الكتاب) ذهباً مكافأة له على عمله، وبذلك ازدهرت العلوم في عهده.

ويمكن تدريس العلوم باللغة العربية عندما يتم التنسيق بين مجامع اللغة العربية لوضع أسس عامة ودقيقة لاختيار المصطلحات العلمية وإيجاد تعاون مشترك بين المتخصصين في العلوم والمتخصصين في اللغة العربية للحد من اختلاف المصطلحات الموجودة في الكتب المؤلفة أو المترجمة إلى اللغة العربية. فتوحيد المصطلحات العلمية سوف يؤدي إلى سرعة الفهم ونقل المعلومات، كما أنه سيوفر الوقت والجهد للباحثين، ويزيل الالتباس بين المفاهيم المختلفة، وقد بينت الدراسات السابقة أن نسبة المصطلحات في النصوص العلمية في المراجع الإنجليزية ضئيلة. فعلى سبيل المثال، وجدت بعض الدراسات أن نسبة المصطلحات الطبية في معظم المراجع الإنجليزية لا تتجاوز 3.3% من مجموع الكلمات الواردة في كل مرجع، في حين أن 96.7% من الكلمات عبارة عن مفردات من الكلام العادي غير المتخصص. كما أن البنك الآلي للمصطلحات (باسم) يحتوي على أكثر من ثلاثمائة وتسعة وثلاثين ألف سجل مصطلحي في مجالات العلوم المختلفة.

فتدريس العلوم باللغة العربية ممكن لرغبة نسبة كبيرة من الطلاب والأساتذة في استخدام اللغة العربية في التعليم الجامعي. فقد أوضحت الدراسة التي قام بها كاتب هذه السطور أن حوالي ثلاثة أرباع عينة الدراسة المكونة من أعضاء هيئة التدريس وطلاب كلية الهندسة بجامعة الملك سعود يفضلون تدريس العلوم الهندسية باللغة العربية. كما بينت دراسة أخرى أن حوالي 54% من عينة الدراسة التي شملت طلبة وأطباء الامتياز وأعضاء هيئة التدريس في كليات طب الأسنان بجامعة الملك سعود في الرياض وجامعتي دمشق وحلب بسوريا يؤيدون التدريس باللغة العربية بسبب سهولة استيعابها.إن تدريس العلوم باللغة العربية ضرورة علمية ومطلب وطني وعربي لوجود العديد من الإيجابيات عند استخدام اللغة العربية في التدريس المتمثلة في مقدرة الطلاب على الفهم والاستيعاب والمناقشة والقراءة والكتابة بشكل أكبر مما يؤدي إلى زيادة استيعابهم للمفاهيم العلمية وتحسن تحصيلهم العلمي. ففي دراسة كاتب هذه السطور أفاد90% من الطلاب أن فهم الطالب للمادة العلمية الهندسية باللغة العربية أسرع وأعمق، وذكر حوالي80% من الطلاب أنهم يحتاجون وقتاً أطول لقراءة المادة العلمية المكتوبة باللغة الانجليزية مقارنة باللغة العربية، وحوالي60% منهم يحتاجون وقتاً أطول لكتابة المادة العلمية المكتوبة باللغة الانجليزية مقارنة باللغة العربية. كما بينت نتائج الدراسة التي أجريت في كلية الطب بجامعة الملك فيصل عن موقف الطلاب من تعريب التعليم الطبي أن80% من الطلاب يوفرون ثلث الزمن أو أكثر عند القراءة باللغة العربية مقارنة بالقراءة باللغة الانجليزية، وأن حوالي70% من الطلاب يوفرون ثلث الزمن أو أكثر عند الكتابة باللغة العربية مقارنة بالكتابة باللغة الانجليزية. كما يرى 75% من الطلاب أن مقدرتهم على الإجابة الشفوية والنقاش أفضل باللغة العربية.

نعم، إن تدريس العلوم باللغة العربية ضرورة علمية ومطالب وطني وعربي لوجود العديد من السلبيات عند استخدام اللغة الإنجليزية في التدريس، فقد أوضحت إحدى الدراسات أن تدريس العلوم باللغة الانجليزية يعد السبب الرئيس في تسرب الطلاب من الكليات العلمية التي تدرس اللغة الإنجليزية، وهي كليات الطب والصيدلة والعلوم الطبية التطبيقية وطب الأسنان وعلوم الحاسب والعمارة والهندسة في جامعة الملك سعود، حيث تراوحت نسب التسرب ما بين 25% إلى 45% عام 1411هـ وما بين 20% إلى 43% عام 1412هـ. بالإضافة إلى أن ما بين 74% إلى 81% من الخريجين قد تخرجوا بمستوى ضعيف (جيد ومقبول) منذ عام 1411هـ إلى 1418هـ.

كما بينت دراسة أخرى أن كثيراً من طلاب كلية العلوم بجامعة الكويت يعانون من استخدام اللغة العربية كوسيلة اتصال تعليمية في الكلية. حيث ذكر حوالي 65% من أعضاء هيئة التدريس في الكلية أن مستوى الطلاب في اللغة الإنجليزية متدن، وأن ضعف الطلاب في اللغة الإنجليزية هو السبب في ضعف استيعابهم للمفاهيم العلمية. كما أن حوالي نصف طلاب الكلية يعانون من صعوبة فهم الكتاب المقرر باللغة الإنجليزية، وكذلك المحاضرات التي تقدم لهم باللغة الإنجليزية، (ولمعرفة المزيد عن هذه الدراسات انظر المراجع).ولكي تستعيد اللغة العربية مكانتها ويتم الاعتراف بها عالمياً كلغة علمية لابد أن تكون هي لغة العلم تعلماً وتعليماً وبحثاً وأن تُكتب وتُنشر الأبحاث والدراسات بهذه اللغة الخالدة، والله من وراء القصد.

المرجع

عبدالله بن إبراهيم المهيدب: (تعريب التعليم الهندسي في المملكة العربية السعودية.. الواقع والآمال). مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت - لبنان (2005م).

كلية الهندسة - جامعة الملك سعود


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد