Al Jazirah NewsPaper Thursday  01/02/2007 G Issue 12544
الثقافية
الخميس 13 محرم 1428   العدد  12544
 
كتب (المقالات) بين التوثيق التاريخي والفن الإبداعي.. (بلا تردد) أنموذجاً

 
*قراءة - محمد بن عبدالعزيز الفيصل:

بين فينة وأخرى تطالعنا الإصدارت (السعودية) بنمطٍ من الكتب دأب مؤلفوها على جمع مقالاتهم لتنتقل من صفحات الجريدة إلى صفحات الكتب، التي تشكل جزءاً مركَّزاً من نتاجهم (الفكري.. الثقافي)، فالمقالة بأنواعها: (الوصفية، الاجتماعية، الثقافية، الوجدانية، التاريخية، الأدبية، النقدية، العلمية...)، تشتمل على العديد من الأفكار، والمعلومات، والتجارب الشخصية؛ فيقوم الكاتب بدوره كمختزلٍ وممحصٍ لجميع هذه الخيوط ليكون مقاله طرفاً من كل ذلك، وهي في الغالب تعبيرٌ عن (الرأي) ومحاذاةٌ لأقرب الطرق التي توصل (القارئ)، إلى حيث يريد منه الكاتب أن يصل؛ فالمقالة باعتبارها الفن (التقليدي) في الكتابة والدارج بين أوساط المثقفين و(المتثاقفين)، ليست إلا إناء يفرغ فيه الكاتب (عصارة) ما ينتجه عقله من بعد أن تمتزج فيه جميع ألوان المعرفة والعلم؛ ويقف الأسلوب وطبيعة (السرد) جنباً إلى جنب مع ما يحتوي عليه المقال من مواد (فكرية.. ثقافية)، وهنا تكمن المهارة (الفنية) في الكتابة وخاصة (الكتابة الدورية)، التي تساعد الكاتب - في الغالب - على التدرج في تنظيم (حقل) الأفكار وتجنب ازدواجية الطرح، وتداخل المواضيع، وعلى الرغم من قدم هذا الفن (المقالة)، مع حداثته (نسبيا) إلا أنه يشكل دعامة ثابتة لا يمكن الاستغناء عنها أو إهمالها في جميع ما يصدر من صحف ومجلات، فمن خلالها تتكون شخصية المطبوعة وتوجهها، وعن طريقها يكتسب الكاتب (السمعة والشهرة)، ومع مرور الزمن يفاجأ بأنه قد خلف وراءه عدداً كبيراً من (المقالات)، التي تجتمع لتشكل حصيلة فكرية (منتقاه)، تتميز بالتنوع، والتدرج، والاندماج.

الذي يميز المقالة كونها - في الغالب - خلاصة؛ تتركز محاورها حول قضية محددة، فتكون بعيدة عن العمومية والسردية، حيث إن فكرة المقال تطفو على (السطح)؛ ما يسهل استنتاج الأفكار الرئيسية واستخلاصها.

كتاب (بلا تردد) تأليف الكاتبة والقاصة والشاعرة (المبدعة) هدى بنت فهد المعجل، يقع في ثلاثمائة وثلاثين صفحة، وهو عبارة عن مجموعة مقالات في الاجتماع والأدب والوجدان، نظمت في ثلاثة فصولٍٍ، تُوِّجَ بعدد من الأبيات الشعرية (المنتقاه) التي تكشف لنا عن عزم وإصرار كبير من قبل هدى المعجل على إنتاج هذا الكتاب الذي لم تتردد في إعداده، وتشير في غرة الإصدار - وفي أسطر معدودة - إلى سبب عنونة الكتاب (بلا تردد) قائلة: (فكان أن هممت بإصدار هذا الكتاب و(بلا تردد).. على الرغم من تواضعه.. تحت عنوان (بلا تردد) اعتماداً على زاويتي في جريدة (الجزيرة)). ومن خلال هذه الكلمات المعدودة والأسطر المحدودة، يتبين الهدف، والنمط، والتوجه، والطبيعة التي يسير فيها هذا الإصدار؛ فهو ينضم إلى كتب المقالات التي سبق أن أشرت إليها في بداية حديثي؛ فهذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات التي نشرت في الصحف والمجلات كان أغلبها المقالات التي نشرت بجريدة (الجزيرة) الغراء، فعنوان الكتاب (بلا تردد)، هو نفسه عنوان الزاوية الأسبوعية (الشيقة)، (بلا تردد)، التي تطالعنا بها الكاتبة هدى بنت فهد المعجل، كل يوم أربعاء، بجريدة (الجزيرة).

اتجهت الأستاذة هدى المعجل إلى تبويب كتابها بثلاثة فصول، وكل فصل يضم عدداً من المقالات التي تدخل تحت مضمونه، مع أنني لا أتفق مع الأستاذة هدى في اتخاذها هذه الطريقة في تبويب الكتاب؛ فكتب المقالات تحتوي على عدد ليس باليسير من الأفكار والمعارف المتنوعة، والتجارب المختلفة، فكون القارئ ينتقل من موضوع تاريخي إلى وجداني ومن ثم أدبي، يبعد عنه السأم والملل، خاصة أن المقالات ليست بمواد علمية دقيقة مقننة، وإنما هي خلاصات ترتدي زي الفنون التعبيرية والأسلوبية، التي يبدعها الكاتب.. وعلى أية حال تظل هذه الرؤية وجهة نظري الخاصة التي تحتمل الصواب أو الخطأ، ومع كل ذلك لا أستطيع أن أخفي إعجابي أيضا بالطريقة التي انتهجتها المؤلفة في تبويب الكتاب.

ملامح من حياة المؤسس

كانت البداية في هذا الكتاب بالفصل الأول (وقفات اجتماعية وأسرية)، تَضَمَّنَ ستة وأربعين مقالاً، صدرتها المؤلفة بالمقال (ملامح من حياة المؤسس)، تشير فيه إلى جانب يسير من سيرة جلالة الملك المؤسس عبدالعزيز - طيب الله ثراه - وعن بعض المواقف التي اشتهر بها جلالته، مستشهدة بعدد من الأشخاص ممن عاشوا مع الملك عبدالعزيز، وعاصروه، وهذه المواقف تكشف لنا جزءا يسيرا من الشخصية الفذة التي يتمتع بها جلالته - رحمه الله -.بعد ذلك تبين المؤلفة جانباً آخر من شخصية الملك عبدالعزيز وهو حبه للعلم، واهتمامه بالعلماء، بالإضافة إلى اهتمامه بالبيت الحرام وبحجاجه، وتسرد عدداً من الأعمال الخيرية العلمية التي تدعم رأيها في هذا الجانب. فهذا المقال بأسلوبه المتنوع يشكل نمطاً من الأنماط الكتابية يمكن أن نسميه المقال التاريخي، نستشف من خلاله القدرة الكتابية المتميزة التي تتمتع بها مؤلفة الكتاب.

شغب رأس السنة

تتحدث الأستاذة هدى المعجل، تحت هذا العنوان عن ظاهرة اجتماعية (حساسة)، وهي موجودة لدينا في المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى استفحالها في الخارج، ولكنها قد تصل عندنا إلى مستويات غير مقبولة!، وتتضجر المؤلفة من هذا السلوك (الشغب)، هذه المشكلة التي ظلت تواجهنا باستمرار في شتى الاحتفالات والمناسبات، وتبين مدى بشاعة ذلك بأسلوب متميز يكشف عن مدى الفن الذي تتمتع به الكاتبة ومما قالت في المقال: (نوافذ تهشم.. محال تجارية تدمر.. سيارات تحرق..!

هل هي الغيرة...؟

أم تراه الحقد تأجج أواره.. واتقدت نيرانه..؟؟

رأس السنة ذكرى تسترعي انتباه بعض الناس، فيبتكرون بعدها أهازيج.. وأفراحاً.. واحتفالات.. وما عهدنا الشغب ملمحاً من ملامح الاحتفالات تلك، فهل اختلت منظومة ما في ذهن مشاغب.. أو اختلطت عليه المفاهيم حتى لم يعد يميز بين الشغب والاحتفال.. بين الإضاءة والإحراق.. بين دوي الألعاب النارية، ودوي زجاح تهشم..!).

ولعل هذا النوع من المقالات يلقي الضوء على المواضيع الاجتماعية (الحساسة)، التي وصل بعضها إلى مستوى كونه ظاهرة اجتماعية، وفي المقال السابق تستعرض وتناقش المؤلفة قضية الشغب الذي يحدث في المناسبات والأعياد.

لغة الضاد

في الفصل الثاني من هذا الكتاب المعنون ب(وقفات ثقافية وأدبية) تعرض الكاتبة مجموعة من المقالات المعنية بالجانب الثقافي والأدبي، ويتكون من أربعة وثمانين مقالاً، كان من أبرزها مقال (لغة الضاد)، الذي تطرح من خلاله المؤلفة العديد من القضايا (الحساسة)، التي تلمس بعض الأمور التي قد لا يفطن إليها المثقف أو الكاتب؛ فالإلمام بما تحتويه الكلمات والمفردات في هذه اللغة الفسيحة أمر قد لا يتيسر لكثير من الناس خاصة المهتمين بالعلم والثقافة، فقد يعجز الإنسان (المطلع) عن الكشف عن بعض المعاني التي تختبئ تحتها الكثير من الألفاظ والمفردات اللغوية، مع أن جزءاً ليس باليسير منها يكون أسماءنا التي نحملها.

وفي نهاية المقال توجه الكاتبة رسالة إلى القارئ تستحثه على الغوص في أعماق اللغة ومعرفة ما فيها من درر.

همهمات مطر الربيع

في الفصل الثالث من هذا الإصدار تطالعنا المؤلفة بسلسلة من المقالات الوجدانية التي اختارت لها العنوان (وقفات وجدانية)، ويتكون هذا الفصل من 29 مقالاً، صدرته أ. هدى بالمقال (همهمات مطر الربيع)، وفيه تنتقل الكاتبة بالقارئ إلى طور جديد من الكتابة (الراقية)، التي تتدلى منها الخيوط الإبداعية، حيث تستعرض فيها العديد من الإبداعات الشعرية والنثرية، استشهاداً بسياق المطر وقدوم الربيع، وإمعاناً في الاستعداد له والاحتفال بقدومه، وانتصاره على زمهرير الشتاء القارص، ومن ذلك قولها: (لم أكن نائمة حينما شدا المطر معزوفته البكر في الخارج، ولكنه أيقظ قلمي المضطجع أمامي، وحرض ذاكرتي الساكنة على استرجاع أبيات شعرٍ تحاكي الربيع ومطر الربيع وورد الربيع.

مجيء الربيع سيمنح الذاكرة صفة التجدد بعد أن تغتسل في مطره، حيث لن نحتفل بمهرجان ربيع دائم ما لم يعاود المطر همهماته وزخاته من جديد ولكن ليس لدقائق.. بل لساعات وأيام وشهور).

ومن خلال هذا المقطع السابق من المقال يتضح للقارئ ما ذكرته آنفاً من الرقي الفني الذي تتميز به المقالات الوجدانية.

الامتلاك المتعدد

(يقول الشاعر الصيني (بو شو آي):

(لا يهم إن لم أمتلك عدة جياد.. فالمرء لا يمتطي فرسين في آنٍ واحد)

الامتلاك رغبة طبيعية.

والامتطاء رغبة مختلفة عنها!!

ومقولة الشاعر توحي لنا بأن رغبة ما كانت قد واتته في أن يمتلك عدة أشياء في وقت واحد - قد تكون عدة جياد وقد تكون مقتصرة عليها - فرغبة الامتلاك المتعددة هي الشاهد هنا بصرف النظر عن ماهية الشيء المراد امتلاكه.

وحينما لم تمكنه الظروف من الامتلاك المتعدد لهذا، استسلم للأمر الواقع، ورضخ له، وأذعن حسبما أظهره لنا الجزء الثاني من المقوله:

(فالمرء لا يمتطي فرسين في آن واحد)

هل هي فعلاً قاعدة ثابتة لا تتزحزح.. أم أن هناك شواذا؟

إن لم تخني الذاكرة فقد شاهدت قبل سنوات خلت عرضاً لفارس امتطى جوادين في آن واحد!!

لا يهم..!!

دقة العبارة لا تعنيني هنا الآن..!

لأن عبارة الشاعر الصيني هذه بالإمكان قراءتها من عدة أوجه.. وفي وضعيات متفرقة.. ومنها قراءتي الحالية).

من خلال استقرائي للأسطر السابقة، ألحظ اهتمام أ. هدى المعجل بالموروث الشعبي الذي تستشهد به في كثير من مقالاتها، وخواطرها، فالموروث الشعبي يشكل محل عناية منها، وفي تصوري كونها شاعرة شعبية (مجيدة)، وصاحبة اسم لامع في هذا المجال (نجدية سدير)، بالإضافة إلى كونها قاصة مبدعة، فإن ذلك يشكل ركيزة أساسية في سمو الخيال لديها.

وفي هذا المقال (الامتلاك المتعدد) الذي تصدره المؤلفة بالمثل: (لا يهم إن لم أمتلك عدة جياد.. فالمرء لا يمتطي فرسين في آنٍ واحد)، تناقش هذا المثل للشاعر الصيني (بوشوآي)، وتحاول فهم الملابسات التي تحيط بهذا المثل، لتنطلق من ذلك إلى الحديث عن بعض الأمثال الشعبية محاولة ربطها بها، عن طريق تماثل الخواطر والأفكار مع بعد المسافة وتباعد الثقافة، وأنا لا أتفق مع المؤلفة حيث أوردت المثل الصيني وصدرت به المقال - صحيح أن الاطلاع على ثقافات الغير مفيد وجيد فهو توسيع لدائرة الثقافة - وصحيح أن أهل الصين عرفوا الحكمة ولكن العرب اشتهروا بالحكمة وأحسنوا رسمها في بديع الشعر والنثر.

وتختتم المؤلفة المقال بعدد من النصائح المغلفة، التي قدمتها للقارئ بعد أن أمعنت في الشرح والتفصيل والمفاضلة.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد