Tuesday 2nd May,2006 12269العدد الثلاثاء 4 ,ربيع الثاني 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

وَرَحَلَ عِمْلاَقٌ (6-9) عثمان بن ناصر الصالح وَرَحَلَ عِمْلاَقٌ (6-9) عثمان بن ناصر الصالح
د.محمد بن عبداللطيف آل ملحم

ووصلت قصيدة الاعتذار للقاضي (بو يحيى) من المربي الفاضل، وفي الحال حبر (بو يحيى) قصيدةً أبان فيها الكثير مما خفي من مآثر وخِلال ومناقب (بو ناصر). جاء في مطلع القصيدة:


(أعثمانَ بن صالح) من تسامى
بأخلاق بها اجتاز الغماما
وأعمالٍ تجاوزت الثريا
وآدابٍ بها بلغ المراما
وأوغل في العلوم فحاز منها
نصيباً وافراً أثرى وداما
ويا شيخ المآثر والمزايا
بلغت بكل مأثرةٍ مقاما
ففي التعبير توّجت المعاني
بألفاظٍِ لها صارت وساما

وبعدما تحدث القاضي (اليحيى) عن بعضٍ من مآثر وخلال ومناقب المربي الفاضل رأى بثاقب بصره أن ينوه عن واحدةٍ منها، إنها دوره حينما كان في مقعد الصدارة (بمعهد الأنجال) معلماً وموجهاً وقائداً حيث كان من مجهوداته تخريج رجال جهابذة:


وفي التعليم صُلت وجُلت حتى
بلغت به مكاسبَه العظاما
فها هو معهد (الأنجال) يروي
عن الماضي مفاخرك الجساما
فمن مجهودك المشهور أهدى
إلى الدنيا جهابذةً كراما

أما عن صولات وجولات (بو ناصر) في التأليف وفي الإسهامات الصحافية فقال عنها:


وفي التأليف أبرزت الخفايا
مسطرةً وأبديت اهتماما
وفي فن الصحافة شدت صرحاً
فنمّقت الكتابة والكلاما
بأسلوبٍ بديعٍ مستطابٍ
صريحٍ هادفٍ ماضي أماما

أما عن شاعرية (بو ناصر) فيدل عليها شتى الأشعار التي حبّرها، وهي شاعرية ذكّرت (القاضي بو يحيى) بشعرائنا القدامى:


وفي الشعر الفصيح قطعت شوطاً
بعيداً ذكّر القوم القدامى
فمنه أتت محبّرةً تهادى
إليّ خريدةً تحكي انسجاما
وتفتن في رواها من يراها
ويسمعها فتورثه هياما
لقد شقت عباب البحر عذباً
إلينا (وافراً) صحبت هماما
فأهداها وسايرها فحلت
بأروع موكبٍ ورد الخياما

وختم قصيدته مزجياً الشكر الجزيل للمربي الفاضل (أبي الآداب)، السباق للمكارم، والداعي للمودة والوئام، وما أفضلها من دعوة:


فأهلاً ثم أهلاً ثم أهلاً
مكررةً به وبها دواما
وشكراً يا (أبا الآداب) شكراً
فبالآداب أمسكت الزماما
وسابقت المكارم في رباها
وحبذت المودة والوئاما
فأُهدي في الختام إليك شكري
شذياً والتحية والسلاما

وحينما كان المربي الكبير في ضيافة القاضي (بو يحيى) وعد القاضي بأن يهدي (لأبي ناصر) ما تجيش به خواطره من قصيد. عن الوعد الذي نُفذ قال المربي الفاضل لمضيّفه الذي يكن له أخلص المودة:


وعدْتَ أخاك وعداً يوم كنا
لديكم في مكانكمُ الجميل
بأن تهب القصيد لنا فلم لا
وفيت وأنت ذو الرأي الأصيل
نحبك يا (ابن يحيى) حبّ صدقٍ
وما هو بالضئيل ولا القليل

وأجابه فضيلة القاضي (اليحيى) بسبعة أبيات كرر فيها ما سبق أن قاله في (بو ناصر) من صفاتٍ، منها أنه ذو فضلٍ، وسدادٍ رأي، وخلقٍ نبيل، وأرفق بالأبيات ثلاث قصائد من تحبيره:


إلى ذي الفضل والرأي الأصيل
وذي الإقدام والفعل الجليل
وذي الأدب الرفيع وذي المزايا
وذي الإدراك والخلق النبيل
إلى (عثمان صالح) من تسامى
بباعٍ في مواهبه طويل
أزف تحيتي وعميق ودّي
بباقات من الشعر الجزيل
أتاني منكمُ شعر رقيق
أعاد لي القريض من الأفول
وقلتم فيه إن عليّ وعداً
لكم بقصيدة من بعض قيلي
فهاكم من قصائدنا ثلاثاً
وشكراً يا أخا الشكر الجميل

ولم يقتصر نشاط الشيخ عثمان الصالح على تزويد المجلات والصحف بمقالاته الأدبية فحسب، بل كان يتعدى ذلك حيث كان قارئاً دؤوباً لما يكتبه الآخرون. وله على ما يقرأ من شعرٍ وأدبٍ منشورٍ تعليقات مفيدة وملاحظات عابرة ذات صدى. كان (بو ناصر) مرهف الحس في نقده الأدبي، كما كان الراصد الأمين، كما سبق القول، لما يكتب من أدبٍ وينشر من شعر.
وعلى سبيل المثال، كنت قد نشرت في جريدة اليوم في عام 1410هـ قصيدةً طويلةً بعنوان (مرثية عين البحيرية) لشاعر الأحساء الكبير (محمد بن عبد الله بن حمد آل ملحم) في عدة حلقات. وهي قصيدة كانت ضمن مخطوطات الشاعر، ولم تنشر من قبل. وجاء في مطلع القصيدة:


عين من الماس أم عين من النور
أم اللجين جرى في بحر بلور
أم هذه الشمس أم تلكم أشعتها
بيض وصفر أذيبت في قوارير
بل ذي (البحيرية) المدرار طاميةً
زمرداً بين ريحانٍ وكافور

وأُعجب المربي الفاضل (بو ناصر) بأبيات القصيدة، وعبر عن مدى تفاعله وإعجابه في رسالة أدبيةٍ وجهها لرئيس تحرير جريدة (اليوم) ضمن مقالة تحت عنوان (عبارات.. وملاحظات). ونشرت جريدة (اليوم) الرسالة الأدبية في 23-11-1410هـ، ومما جاء في هذه الرسالة: أخي خليل الفزيع.. المحترم بعد التحية، تصل إليّ جريدة (اليوم) وفيها ما لذّ وطاب من فصيح القول وجميل الكلمات.. وطاب لي أن أشكركم شخصياً على المتابعة المستمرة لنشر مصطفى الشعر ومختاره للشاعر - محمد بن عبد الله بن حمد الملحم -. إن هذا الشاعر المجيد (بضم الميم) من الشعراء الذين لهم شاعرية خصبة وملاحم معروفة ولكن شهرته لم تتعد مكانها.. وبنشركم ذلك تباعاً من ديوانه يعطي عن الملحم (نوعية) من الإعلام عنه، والتنبيه عما تتحلّى به قصائده من بيان وبلاغة في ديوانه.. وإذا كان لديكم ديوان مطبوع له فأود إمدادي به وإسعادي بالتفضل به، أو إشعاري عن المكتبة التي يباع بها لأجتنيه منها لأن شعره لتبدو عليه السهولة واليسر، وما قال في عين البحيرية له أهمية في وصفها.. فيها عيون مبصرة من الشعر.. وفرائد أبيات عجيبة كقوله:


تدفق الماء وانسابت جداوله
على نظامٍ مدى الدنيا ودستور
يروي المزارع رياً قدر حاجتها
ولا يزال بها يدور كالسور
فما يفارقها آنا بدورته
وما يزيد فصرفاً وجهة البور
بين الخمائل والأشجار وارفةً
تجللت بالضحى ثوب الدياجير
لا تظهر الشمس من أوراقها فترى
إلا مبعثرةً مثل الدنانير
خريرها الشعر إلا أنه نغم
يفوق ترنيمه لحن المزامير
ناجى بها الغصن والأطيار صادحة
ما بين منطلقٍ منها ومأسور
ما أجمل الليل إن الليل يؤنسني
إن صحت يا ليل في طولٍ وتقصير
أرجع الشعر فيه كل آونةٍ
وحسبي الشعر من فن وتعبير
أصوغ فيه شعوري كل قافية
تغري الخليّ وتشجي كل موتور

ويواصل الشيخ (عثمان) القول في رسالته الأدبية: انتق هذه الأبيات والحسن لها لباس، والجمال لها تاج، والربيع من أنفاسها يفوح، وصدق العاطفة من عبيرها يموج. ومن قطعة يقول فيها:


بين النخيل وماء العين منسكب
ينساب حولي لجينا في قوارير
من (البحيرة) لا غاضت منابعها
ولا أصيبت مدى الدنيا بتعكير

ويخاطب الشباب فيقول:


ويا شباب العلا صونوا شريعتكم
مما يدبر أعداها لتدمير
ويا شباب العلا كونوا على ثقةٍ
وشمّروا للعَمَالي كل تشمير

ثم يوجه الكلام إلى الملك (فيصل) فيقول:


ويا مليكي حبيب الشعب عشت لنا
سيفاً وغيثاً يقينا كل محذور
محكماً شرعة الإسلام في زمنٍ
قد خيم الجهل فيه كالدياجير
فشرعة الله لا نبغي بها بدلاً
فما لنا ولتأليف الدساتير
وعشت يا ناصر الإسلام في دعةٍ
وفي سلامٍ وفي أمن وتقدير
وعاش من حولك الشعب الوفي لكم
يفديكم بالغطاريف المشاهير

ويقول، وقد عادت (عين البحيرية) بعد خرابها:


حتى إذا شاء ربي بعثها بُعثت
بالرغم من كل شيطان وشرّير
أمدها (الفيصل) الباني بنجدته
جاءت أوامره في شكل تقرير
واليوم أشهدُها حسناء ثانيةً
عادت لسيرتها الأولى بتوفير
عُزت وذُلت وشيدت بعد ما خربت
وهكذا الكون في هدمٍ وتعمير

ويواصل الشيخ (عثمان) قوله في رسالته: (وهكذا قد نقلتُ لكم ما اخترت من أبيات جيدةٍِ في سبكها وإن كانت تفتقر إلى الجزالة في المفردات اللغوية، ويميل (الملحم) إلى شعر العلماء والنظم إلا أنه في مجمل شعره ينحو نحو التقليد بنظر ثاقبٍ وتفكيرٍ صائبٍ وفيه تجديد أيضاً). ومن ثم توجه الشيخ (عثمان) في رسالته إلى رئيس تحرير (جريدة اليوم) قائلاً: (وبودي لو استعرضتم شعراء المنطقة من القطيف ومدنه ففيه شعراء أصيلون وأدباء كثيرون. لو جعلتم لكم منهم دراسةً كالتي قدمتموها صامتةً (لمحمد الملحم)، وتجعلون له تعاليق تزيدها تنويراً وجلاءً أكثر مما عملتم مع (الملحم). هذا الكتاب للأخ الكريم لأعلمك بأنني قرأت ما كتبتم عنه، وله (أي للملحم) في نفسي مكانةً، ولا شك أنكم ستُشكرون إذ تعنون بأدباء البلاد وشعرائها وإزاحة الغبار الذي يغطي كفاءة أولئك). انتهت الرسالة.
* وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء السابق

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [خدمة الإنترنت] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved